04-12-2016 / 09:51
إعلام عصر ما بعد الحقيقة
04-12-2016 / 09:51
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي ينشر الجميع ما يريدون. تنتشر مواقع الأخبار الزائفة وتبث أكاذيبها كالطوفان. وساسة اليمين المتطرف في عصر ما بعد الحقيقة يمارسون الشحن العاطفي والمواقف الشخصية َفَيُغيبون الحقيقة ويقنعون الناس بنقيضها.. فأين تقف وسائل الإعلام التقليدية؟ وكيف لها أن تحافظ على ثقة الناس بها وعلى هويتها ومصداقيتها وأصالتها الإخبارية؟

تفق معجما أكسفورد البريطاني وويبستر الأميركي على إضافة كلمة، أو إن شئت مصطلح post-truth (ما بعد الحقيقة) باعتبارها أحدث المفردات التي راج تداولها كثيرا وتستحق بذلك انتقاءها من بين كل المفردات رائجة التداول حديثا.وهكذا جاء تعريفها في موقع قاموس أكسفورد باللغة الإنجليزية: "في سياق أو وصف الظروف التي تصبح فيها الحقائق الموضوعية أقل تأثيرا في تشكيل الرأي العام من الشحن العاطفي والمعتقدات الشخصية".

إنه عصر ما بعد الحقيقة، إذ يتراجع الغرب القهقرى، ويتخلى عن قيم الليبرالية والموضوعية والنزاهة والشراكة الإنسانية والانفتاح الكوني، التي طالما تغنى بها كثير من مثقفيه ومفكريه، حتى إن بعضهم من أمثال "فرانسيس فوكوياما" أعلن في لحظة، تراجع عنها لاحقا، أن التاريخ انتهى هنا عند حدود الليبرالية السياسية والثقافية، وأن من يتخلف عن ذلك الركب سيكون بمثابة عربة ضائعة في الصحراء تسير على غير هدى.


إنه عصر ما بعد الحقيقة، إذ يرتد الغرب إلى القومية الشعبوية في مخاطبة الجماهير، فيصل دونالد ترمب إلى البيت الأبيض أو يكاد، وقد يفوز يميني آخر على شاكلته وهو فرانسوا فيلون في السباق إلى قصر الإليزيه، أو ربما تتفوق عليه من هي أكثر تشددا منه في مبادئ القومية الشعبوية اليمينية، وهي آن ماري لوبان فتصبح رئيسة لفرنسا.

إنه عصر ما بعد الحقيقة، إذ تغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي لأنها ترفض سياسة الحدود المفتوحة بين الدول الأعضاء، وتريد من الاتحاد مغانمه، وترفض أن تدفع حصتها من مغارمه.

إنه عصر ما بعد الحقيقة، إذ يطوي فلاديمير بوتين الحقيقة بيمينه ويقمع كل صوت معارض في روسيا، ويقف مع ترمب وفيلون ومع كل من يدعو إلى الانغلاق القومي، ويطرح شعار "روسيا أولا وفرنسا أولا وأميركا أولا".

ونحن لا نريد هنا أن نستعرض الظروف التي أدت إلى نجاح هؤلاء الشعبويين القوميين، إذ لذلك مقام ووقت آخر، بقدر ما نحاول استجلاء الطرق والوسائل التي أعادت اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في أوروبا.

ولعل أدوات التواصل الاجتماعي هي الوسيلة الأهم التي استعملها ترمب ومعسكره اليميني الأنجلو ساكسوني لبلوغ أهدافهم، والانقلاب على الإرث الليبرالي بقيمه المذكورة آنفا. فهؤلاء ما صدَّقوا وما قبلوا يوما وجود رئيس ملون البشرة في البيت الأبيض، وهم يخافون أن يضيع منهم إرث الآباء المؤسسين، ويحل غيرهم من المهاجرين محلهم، مع أنهم هم أيضا منحدرون من مستوطنين استقروا في القارتين الجديدتين بحد السيف، أو من مهاجرين توافدوا طيلة قرون تالية.

وقد شاهدنا، ونحن نتابع الحملة الانتخابية لدونالد ترمب والمنافسة المحمومة بينه وبين هيلاري كلينتون، كيف أنه والقائمين على حملته أحسنوا استعمال وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج لبرنامجهم الانتخابي، وخاصة "تويتر"، بينما تخلف الديمقراطيون في حملة كلينتون في استشراف أهمية تلك الوسائل، في التعبئة والشحن العاطفي وإثارة الغرائز الشعبوية للناخبين، من جانب مرشح هذا هو همُّه الأول، ولا تهمه الحقائق والموضوعية والنزاهة، وكل ما في القاموس من صفات يفترض أن ينتهجها المرشح لرئاسة القوة العظمى الأولى في العالم.

وقد هللنا، معشر الصحفيين، لوسائل التواصل الاجتماعي منذ أن ظهرت على السطح، وما زلنا نشدد على أهميتها في نشر الحقائق؛ لكن ما شهدناه في حملة ترمب، وفي حملات مرشحي اليمين المتطرف على الجانب الآخر من الأطلسي من استعمال مغرض وبعيد عن الحقائق لوسائل التواصل الاجتماعي، يذكر بما قالته العرب قديما "وانقلب السحر على الساحر".

فكل ما بثه ترمب وطاقم حملته من تغريدات وآراء على تويتر وفيسبوك وإنستغرام، كان يصل إلى الناخب الأبيض على الفور فيتلقاه وكأنه حقيقة مسلم بها، ولا يمكن الارتياب بصحتها. وهذه هي بالفعل مشكلتنا مع أدوات التواصل الاجتماعي تلك، إذ هي طريق سريع قصير ينقل في اتجاه واحد معلومة أو رأيا، من دون تحقق في صحة المعلومة أو وجاهة الرأي، أو مقابلته بما يخالفه من أجل التوازن. أما في وسائل الإعلام التقليدية من صحافة مطبوعة وإلكترونية وقنوات تلفزيونية، فالأمر مختلف، إذ تسمح مساحة الوقت والنص بعرض وجهة النظر المقابلة، أو المعلومة الكاملة من دون ابتسار أو انتقاء.

لقد وجد اليمين المتطرف الصاعد في أميركا وأوروبا، بديلا من وسائل الإعلام التقليدية للترويج لبرامجه، بعزف مستمر لشعارات شعبوية تلتصق من كثرة تكرارها في أذهان أتباعه، وتقودهم إلى حيث يريد. ومثال ذلك شعارات "أعد لي وطني" و"لنعد لأميركا قوتها" التي روَّجها ترمب في الولايات المتحدة، وشعارات ترويج العداء "للإرهاب الإسلامي" في كثير من دول أوروبا وأميركا.

كما أن هناك جانبا سلبيا آخر لاستعمال وسائل التواصل الاجتماعي في نقل المعلومات والآراء، وهو ظاهرة المجموعات التي يتبادل أعضاؤها فيما بينهم المعلومات والآراء، من صنف واحد متسق ومتناسب مع قناعاتهم وداعم لمواقفهم وآرائهم فتزداد رسوخا في أذهانهم، حتى وإن كانت تلك المعلومات والمواقف مبنية على أسس مغلوطة.

وما يزيد الأمر سوءا، أن غياب الاتصال المباشر عينا بعين وقلبا بقلب، بين أعضاء تلك المجموعات عبر الهاتف، وغيره من الآلات الصماء، يحرم الواحد منهم من فرصة الاتصال الإنساني وما يوفره من تقارب حميمي، ونقاش وتبادل للرأي وحوار قد يؤدي إلى تغيير الانطباع الخاطئ، أو تصحيح المعلومة غير الدقيقة.

وإلى جانب ذلك كله، فقد ظهرت في شبكة الإنترنت آلاف بل عشرات الألوف من مواقع الأخبار المزورة، تغرق المشهد بطوفان من المعلومات الكاذبة التي لا يستطيع الناس التحقق منها والتعرف على هويتها الفاسدة. وكأننا أصبحنا عاجزين أمام تلك المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا نستطيع أن نوقف ما تقذفنا به من معلومات خاطئة، ومواقف وآراء مغرضة لا يقابلها رأي يوازنها.
وهكذا فإنه عصر ما بعد الحقيقة! يحل فيه الكذب محل الصدق، والعاطفة محل الحقيقة، والتحليل الشخصي محل المعلومة، والرأي الواحد محل الآراء المتعددة.

إنه عصر ما بعد الحقيقة! يجد فيه المتعصب قنواتٍ ووسائلَ اتصال تُروج لتعصبه، ويجد فيه دعاة الانغلاق عن العالم، بكل مشاكله وهمومه ومخاطره ما يقوي قلاعهم وما يعزز قناعاتهم، ويجد فيه الشعبويون المؤمنون بتفوقهم العرقي في أميركا وأوروبا ما يغنيهم عن وسائل الإعلام التقليدية التي كانوا يحتاجونها في السابق. بل تصبح تلك الوسائل التقليدية عدوا ينبغي التربص به في كل وقت وعند كل زاوية.

ففي أول تغريدة له بعد انتخابه رئيسا، اتهم ترمب وسائل الإعلام بإثارة المظاهرات التي اندلعت احتجاجا على فوزه. اتهم شبكات التلفزة وهاجم جريدة نيويورك تايمز، وقال إنها آفلة عما قريب. وهو إذ ذاك يذكرني بقادة ما كان يعرف في الغرب بالعالم الثالث، حين كان كثير منهم يلومون وسائل إعلام غربية، ويحملونها مسؤولية إخفاقاتهم واستبدادهم. وحتى اليوم ما زال بعضهم يحملون "الجزيرة" على سبيل المثال، المسؤولية عن الحراك الاجتماعي المطالب بالتغيير، ولا يتوقف ردحهم الإعلامي المقيت عن تحميل الغير مسؤولية فشلهم الدائم.

فماذا تفعل وسائل الإعلام التقليدية أو ما تسمى بالإنجليزية mainstream media؟
فمهما تعاظمت الاتهامات وكثرت، فذلك لا يعني التخلي عن الحقيقة في عصر ما بعد الحقيقة، وإن كان رموز تيار التعصب العرقي والثقافي والانكفاء على الذات وابتداع الأعداء الموهومين، من أمثال دونالد ترمب وفرانسوا فيون وغيرهم، يجيدون استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، مثل تويتر وفيسبوك وإنستغرام وغيرها، فإن على الوسائل التقليدية أن تستعملها بالكثافة نفسها للدفاع عن الحقيقة وتقديم المعلومة الصحيحة وموازنة الآراء.

ونحن في وسائل الإعلام العربية التقليدية المعروفة أكثر الناس حاجة لذلك في عصر ما بعد الحقيقة، حيث يصور ديننا عدوا وخطرا وجوديا، وحيث توصم ثقافتنا وقيمنا بالتخلف والرجعية. صحيح أن بعض قنواتنا ووسائلنا دخلت هذا الباب لكني أظن أن ما نقدمه للأجيال الشابة بالذات، لا يخدم بالصورة المناسبة قضايانا، ولا يدفع في أذهان شبابنا عن ديننا وثقافتنا تلك التهم. فجل ما نقدمه من مواد فيلمية ذو نكهة خفيفة نابعة من قناعة بأن الشباب يريد ما هو مسل وعابر وسريع، وغالبه مما تطرحه في السوق شباك الآخرين من صيد. فلماذا لا تكون تلك المادة الفيلمية من صيد كاميراتنا وإنتاج مراسلينا من الميدان مباشرة حتى وإن كانت مادة قصيرة؟

وإن اقتصر ما نقدمه على الخفيف والعابر والسريع أفلا يزيد ذلك ثقافة الشباب تسطيحا؟ ومن قال إن الشباب يعزفون عما هو جاد وعميق ولا يفهمونه، إن وُضِع في قالب صوري سريع وجذاب يوافق ذهنية العصر وسرعته، وذلك ليس بالأمر العسير؟ ثم ألا تستدعي قضايانا وواقعنا الممزق المهدد بتمزيق أدهى وأمر، ألا نتوقف عن تذكير أجيالنا الناشئة بما مضى فيأخذون منه العبر، ويستعدون بها للمستقبل؟ فكم نحن بحاجة اليوم، على سبيل المثال، للتذكير بما حاكه في ليل، سايكس وبيكو ونظيرهم الروسي عام 1916 وتقاسم به الفرنسيون والإنجليز إرث الدولة العثمانية، وكشفت روسيا عنه الغطاء، إذ خرجت من المعمعة صفر اليدين!

مكتبات قنوات الإعلام التقليدي مليئة بالصور ونستطيع أن ننجم ما يتصل منها بسايكس بيكو القديمة أفلاما قصيرة، نقدمها للشباب على مكث، فتثير فيهم همة البحث وتوقد شعلة التفكير، قبل أن تكتمل حلقات سايكس بيكو الجديدة التي تحاك الآن أمامنا نهارا وليلا هذه المرة، وقد اكتمل بعضها في جنوب السودان وفي شمال العراق، وأصبح بعضها الآخر على وشك الاكتمال في العراق وفي سوريا وفي ليبيا.

أولا نستطيع أن نقدم للشباب، إلى جانب المسلي والخفيف والسريع، تاريخ القضية الفلسطينية في أفلام قصيرة تكشف لهم حجم المأساة ومدى الخذلان والتخاذل الذي لقيته القضية من الغرباء ومن ذوي القربى على حد سواء؟

ولماذا لا نبقي الشباب على معرفة دائمة بواسطة تلك الأفلام القصيرة بمأساة سوريا والعراق ومآسي اللجوء عبر بحار الدنيا؟

ولماذا لا نُذَكِّرهم عبرها بثوار الأمة الذين كافحوا الاستعمار من أمثال الخطابي وعرابي وابن باديس وابن بله وبن بركة وحسن البنا وجمال عبد الناصر وغيرهم؟ ولماذا لا نرسخ في نفوسهم بواسطتها قيم العروبة وتسامح الإسلام وقيم الشراكة الإنسانية؟

كل ذلك ممكن إن أخذته وسائل الإعلام التقليدية المألوفة ضمن رؤيتها وسياقاتها وقواعدها المهنية، القائمة على النزاهة والموضوعية والدقة في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي كأدوات.
وفي عصر ما بعد الحقيقة، لا بد لوسائل الإعلام التقليدية وشاشة التلفزيون في مقدمتها، أن تصوغ رؤية واضحة تستند إلى خبرتها وتجربتها بعيدا عن التجريب والهواية والتقليد، ولا بد لها أن تحافظ على سياقات جوهرها، ومضمونها الأصلي الذي انبنت به خبرتها وتراكمت، وقامت عليه ثقة الناس والجمهور وتزايدت، وأصبحت هي الرصيد الأهم.

في عصر ما بعد الحقيقة لا بد لوسائل الإعلام التقليدية أن تحافظ على تلك الهوية التي تعلقها الواحدة منها على صدرها ويعرفها الناس بها. فلا يجوز أن تقايض عناصر الهوية بما ليس منها ولا أن تستبدله هكذا.

في عصر ما بعد الحقيقة عالمنا غير عالمهم وأولوياتنا غير أولوياتهم. وفي النهاية يبقى "المضمون هو الملك" في عالم الأخبار والإعلام سواء كانت الوسيلة صحيفة أو موقع إنترنت أو إذاعة أو تلفزيون أو إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، لكن من المهم ألا تلتبس الهوية فيغشى الرؤية عندها ما يغشى!

المصدر /قناة الجزيرة



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في كيم فيسبوك


احمد الشيخ ريئس تحرير سابق لقناة الجزيرة