04-04-2010 / 04:41
نحو تربية اقتصادية ...
04-04-2010 / 04:41
نحو تربية اقتصادية...

أزمات حقيقية :

يعيش العالم أزمة غلاء في الاسعار خصوصا اسعار المواد الغذائية الاساسية، أزمة تتفاقم يوما بعد يوم لتصل الى حد الكارثية بالنسبة لمئات الملايين من البشر.

لقد نشبت هذه الأزمة في وقت تعيش فيه المجتمعات العربية عامة ومجتمعنا نحن خاصة أزمتين اضافيتين،

والأزمات تصبح أكثر تعقيدا وأعصى حلا عندما يظن البعض أنها أزمة عامة وبالتالي فان نتائجها واسقاطاتها ستطال الجميع لسان حالهم يقول " حط راسك بين الروس " .

اما الأزمة الاولى فهي أزمة الفقر والبطالة، فالمعطيات تشير بهذا الصدد الى اننا في وضع حرج وخطر، فها هي مؤسسة التأمين (الوطني) تطلّ علينا باحصائيات تظهر ان قرابة ال- 45 % من فقراء البلاد هم من العرب مع ان نسبة العرب من مجموع السكان لا تتعدى ال 20 % ( بما فيهم سكان القدس والجولان المحتلين ). كما وتشير معطيات سلطة التشغيل ان القرى والمدن العربية تحتل صدارة لائحة البطالة بدون منازع ( تحتل البلدات العربية المراكز ال- 45 الاولى من حيث معدلات البطالة – معطيات 2008 / 01 ).

واما الأزمة الثانية والتي من التناقض بمكان اجتماعها وتزامنها مع الازمة الاولى لولا اننا نحيا في زمن العجائب، فهي ازمة الاستهلاك السيء الناتجة عن ثقافة وعقلية مشوهة ومريضة.

ان اجتماع هذه الازمات يضاعف من تأثيراتها كما يضاعف من الجهود المطلوبة للخروج منها بسلام.

أزمة الغذاء العالمية – ما الذي يحدث ؟

بداية سنحاول القاء بعض الضوء على ما بات يعرف بأزمة الغذاء العالمية والأسباب التي أدت الى حدوث هذه الأزمة علّ ذلك يزيد من معرفتنا بما يحيط بنا من سياسات اقتصادية.

يدور الحديث اليوم عن ارتفاع دائم في اسعار المواد الغذائية الاساسية حتى رحنا نسمع مؤخرا من يقول ان عهد الغذاء الرخيص قد ولّى الى غير رجعة. مما سيدفع بمئات الملايين من الجوعى الجدد الى قوائم تقارير البنك الدولي والتي كانت تعد اصلا قرابة المليارين من البشر ( حوالي ثلث سكان الارض ) ممن يعيشون تحت خط الفقر بحجم انفاق يقل عن دولارين يوميا ( نصفهم يعيشون بحجم انفاق حتى دولار واحد فقط يوميا ).

فبين الاعوام 2008 - 2000 سجلت مؤشرات الغلاء العالمية ما يلي :

ارتفاع اسعار اللحوم +33%، السكر +60%، الالبان +160%، الحبوب +226%، الزيوت +296%.

اما عندنا في الاسواق فقد تم تسجيل الارتفاعات التالية خلال السنة الماضية فقط ( الاسعار مستمرة في الارتفاع ) : ارتفاع اسعار الطحين الابيض +102%، الزيت +48%، الطحينة +54 %، البيض +13%، الارز +32%، منتجات الحليب +18%.

أما عن الأسباب التي أدت الى هذا الغلاء فيمكننا الأشارة الى أهمها :

1. استخراج الوقود الحيوي "الايثانول" من الحبوب خصوصا الذرة وذلك من اجل التزود بالطاقة البديلة للنفط حتى ولو كلف ذلك تجويع الملايين !!!!

2. زيادة الطلب على السلع الغذائية في الصين والهند وذلك نتيجة النمو الاقتصادي المتزايد في تلك البلاد.

3. ارتفاع اسعار النفط الذي يزوّد المعدّات الزراعية ووسائل نقل المحاصيل والذي يشكل المادة الخام في تصنيع الاسمدة الكيماوية الضرورية للزراعة.

4. التغييرات المناخية من جفاف وفيضانات وصقيع.

يعتبر استخراج الوقود الحيوي (الوقود البيولوجي) السبب الرئيسي في ارتفاع اسعار السلع الغذائية، والدليل على ذلك ان ثلث محاصيل الذرة في العالم استخدمت لهذا الغرض وان مساحات واسعة وشاسعة من الاراضي زرعت بالذرة بدلا من مزروعات غذائية اخرى كالقمح (معطيات كلية الزراعة والاقتصاد في رحوفوت – الجامعة العبرية).

كل ذلك من اجل تزويد العالم الغني، بالطاقة البديلة للنفط حتى لو كلف الامر قوت الملايين من البشر.

هكذا اذا هو عالم الرأسمالية والحرية الاقتصادية وسياسة فتح الاسواق الجديدة وتطوير الاستهلاك، عالم الربح المبرر للوسيلة، ولعله قد صدق من ظننا يوما انه قد بالغ حين قال " ان بائع اللبن في النظام الرأسمالي لا يبيعه بدون مقابل يحقق له الربح حتى لو كان لأب يريد هذا اللبن كعلاج لابنه المريض بينما يبيعه للغني ليقدمه لكلابه لقدرته على دفع الثمن المطلوب ".

ولمزيد من التعرف على عالم تحكمه رأسمالية امريكا والغرب لنا في معطيات منظمة الفاو ( منظمة الزراعة والاغذية التابعة للامم المتحدة) عبرة، فأرقامها تشير الى ان احتياجات البلدان الفقيرة من اجل مواجهة أزمة الغذاء تقدر بنحو 1.4 مليار دولار في حين ان معطيات اخرى تشير الى ان حجم الانفاق العسكري العالمي بلغ 1.2 تريليون دولار ( تريليون = 1000 مليار)، نصف هذا الانفاق العسكري كان من نصيب الولايات المتحدة لوحدها، أي انه بامكان هذا العالم الذي ملئ جورا وظلما ان يحل الأزمة بمجرد ان " يتكرّم ويتنازل " عن 1000/1 من انفاقه العسكري، ولكن انّى للعالم ذلك والاسلام غائب والرأسمالية تصول وتجول، ذلك الاسلام الذي حين حكم وطبقت مبادئه استأصل شأفة الفقر والمجاعة من اقطار الارض فكان الولاة في زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يبحثون عن فقير ليعطوه فلا يجدون محتاجا واحدا حتى راحوا يقضون الديون عن المدينين ويزوجون العزاب ويقرضون اصحاب الاراضي لاستصلاحها دعما للانتاج، ففي كتاب " الفقر وكيف عالجه الاسلام " للدكتورالقرضاوي يروى ان عمر بن عبد العزيز قد بعث يحيى بن سعيد على صدقات افريقيا فطلب الفقراء ليعطيها لهم فلم يجد فقيرا ولم يجد من يأخذها منه، فانظر الى حال افريقيا بين الامس واليوم !.

هذه صورة واحدة من ( البوم ) الصور البشعة للرأسمالية وفي الفقرة التالية صورة اخرى تتعلق بالجانب الاستهلاكي وبنشر ثقافة الاستهلاك وتصدير ثقافة السوق التي في ظاهرها وفي باطنها العذاب والهلاك !

"الاستعمار" الاقتصادي الجديد

تحولت شعوب العالم الفقيرة والضعيفة الى مجتمعات استهلاكية وسوق مفتوح لبضائع الدول المتقدمة، وما كان هذا التحول الا نتيجة لاستعمار اقتصادي جديد اجبر هذه الشعوب على انتاج ما لا تحتاج واستهلاك ما لا تنتج، وغزاها هذه المرة بقيم مادية واخلاقية ادت الى قبول ثقافة العولمة الاستهلاكية بسرعة مذهلة حققها التخطيط والعمل على قاعدة " ان التشابه في الافكار يؤدي حتما الى تشابه في السلوك ".

ان زيادة الطلب على المنتجات التي تنتجها وتصدرها الدول الغربية يضمن لهذه الدول الحصول على المواد الاساسية كالنفط وسائر المواد الخام التي "تنعم" بها مناطق الشعوب الضعيفة. ولعل ازمة ارتفاع الاسعار كما يراها البعض جزءا من سياسات هذا الاستعمار الاقتصادي الرأسمالي لتكريس تبعية الشعوب الضعيفة له فعلى هذه الشعوب ان تصدر المزيد من المواد الاساسية ولو بابخس الاثمان من اجل تحصيل السلع الغذائية باهظة الثمن.

وما اتفاقيات "الجات" ومنظمة التجارة العالمية والغاء الرسوم الجمركية الا وسائل لتحقيق اهداف واطماع هذا الاستعمار الاقتصادي الجديد.

ولئن اردنا تشخيص حالتنا الاقتصادية نحن كأقلية فلسطينية فما علينا الا ان نضع انفسنا في خانة الشعوب الضعيفة ونضع المؤسسة الاسرائيلية في تعاملها معنا في خانة اصحاب السياسات الاقتصادية الاستعمارية التي تكرس تبعية الضعيف وتزيد من ثروة القوي، مع تغيير بعض الفوارق التي هي جزء من علاقة دولة بدولة لا حاكم بمحكوم.

أزمة الاستهلاك السيء

نقصد بالاستهلاك السيء ذلك الاستهلاك الذي لا يقف عند حد الاعتدال والاتزان والحكمة والشرع، فتراه استهلاكا منفلتا لا تحده حدود ولا تقيده قيود.

هذه القيود من الممكن ان تكون قيودا على الكيف والصفة كما يمكن ان تكون على الكم والمقدار كما ورد في كتاب " دور القيم والاخلاق في الاقتصاد الاسلامي " للدكتور القرضاوي.

فتقييد وترشيد الاستهلاك كيفا" يراد به تجنب استهلاك ما حرم الله من خمور ومخدرات وميسر وشراء التماثيل..الخ،

حتى لو كانت بأبخس الاسعار وكان المشتري اغنى الاغنياء.

اما تقييد وترشيد الاستهلاك كما" فيراد به تجنب استهلاك ما لا يحتاج اليه او الخروج عن حد الاعتدال والتوسط، الذي هو شأن المسلم، او الخروج عن حد قدرته واحتمال دخله لان معنى ذلك الاضطرار الى الدّين الذي هو همّ في الليل ومذلّة في النهار.

ولقد عدد المختصون العديد من الانماط والعادات الاستهلاكية السيئة اذكر بعض وجوهها :

المجتمع الاستهلاكي:

وهو أن يتحول المجتمع باسره الى مجتمع تسيطر عليه عادات وأنماط استهلاكيه فقط من أجل الشراء. فأصبح هم كل فرد من هذا المجتمع الرفاهيه والرغبه في الشراء، محاولا تقليد مجتمعات اخرى ناسيا الفوارق التي بيننا وبين هذه المجتمعات، خصوصا فارق الامكانيات الماديه.

الشراء التلقائي :

وهو أن تشتري سلعة أو سلعا لم تكن في قائمة مشترياتك أو في ذهنك قبل دخولك للشراء. ولقد أصبح هذا النوع من الشراء عاده وسلوكا استهلاكيا نتيجة انتشار المحلات التجاريه التي تعرض السلع بشكل جذاب ونتيجة ما يسمى بالحملات.

النهم الاستهلاكي (حّمى الشراء) :

وهو أن يتحول الشراء الى عاده يصعب التخلص منها كالادمان على الشيء.

فيكون الشراء لمجرد ممارسة هذه العاده ولتلبية رغبه داخليه دون التفكير في الحاجه من وراء هذا الشراء.

الاستهلاك الكمالي:

وهو مايسمى أيضا بالاستهلاك الترفي أي شراء السلع الكماليه والتي تزيد من الحياة ترفا وبذخا، غالبا بقصد التباهي والظهور وتقليد أفراد المجتمع الاستهلاكي.

ان أكثر ما يساعد على الاستهلاك الكمالي هو الاعلانات التجاريه والتي تظهر المنتوج بصوره جذابه وتجعل من الكماليات حاجيات لا تقوم الحياة الاّ بها.

الخطير في الامر ان مثل هذا الاستهلاك بدأ يطال ذوي الدخل المحدود حتى أوشكت الفوارق في مستوى ونوعية الاستهلاك بين الميسرين وبين ذوي الدخل المحدود أن تزول ليصبح الجميع مترفين.

امام هذه السلوكيات الاستهلاكية السيئة التي باتت تسيطر على المجتمع افرادا وعائلات وامام ما نعيشه من ازمات فقر وبطالة وامام ما يواجه العالم من ازمة غلاء في الاسعار كان لا بد من التركيز على " العامل المتغير " في معادلة الازمات الا وهو نحن افراد المجتمع. فبالنسبة لنا نحن على الاقل ابناء المجتمع الفلسطيني في الداخل، فان الحكومات والسياسات تمثل بالنسبة لنا " معطى ثابت " وكل محاولة لتخفيف نتائج واثار هذه الازمات تبدأ وتنتهي بنا نحن اولا واخرا، وما الترشيد والتربية الاقتصادية ونشر الوعي الاقتصادي، الذي هو من صميم مشروعنا الاسلامي، الا تطبيق لهذه المحاولات.

ترشيد الاستهلاك خصوصا في وقت الازمات

حقا إن أبلغ نموذج يمكن ان يحتذى به في وجوب ترشيد الاستهلاك وقت الازمات ما اشار اليه القران الكريم في قصة يوسف عليه السلام عندما كانت " الخطة الخمس عشرية التي وضعها هذا النبي الكريم للخروج من الازمة من تقليل الاستهلاك في السنوات السبع الخصبة حتى يكون هنالك مجال للادخار ثم تقليل الاستهلاك مرة اخرى في السنوات السبع العجاف بحكم الضرورة وتوزيع المدخر على سنوات الازمة جميعا ".

وها هو الفاروق عمر رضي الله يحذرنا فيقول " اخشوشنوا فان النعمة لا تدوم وعباد الله ليسوا بالمتنعمين "، وهو الخليفة الذي ابتلي المسلمون في زمانه بعام المجاعة فراح يضم لكل بيت عنده ما يأكل مثلهم في العدد ممن لم يجدوا ما يأكلون وهو يقول " ان الناس لا يهلكون على انصاف بطونهم ".

وهو هو رضي الله عنه الذي قال غاضبا " اكلما اشتهيتم اشتريتم ؟! ما يريد احدكم ان يطوي بطنه لابن عمه وجاره ( اي ان يراعي مشاعر من لا يقدر على الشراء) ".

وها هو ابن خلدون يقول في مقدمته التي تزخر بالحكم الاقتصادية " فالهالكون في المجاعات انما قتلهم الشبع المعتاد السابق لا الجوع الحادث اللاحق ".

ترشيد الاستهلاك... تربية



تحمل عملية ترشيد الاستهلاك في طياتها اهدافا تربوية عديدة منها النفسية الخلقية التي تربي المسلم على ان لا يكون من اهل الترف والرعونات، ومنها الاجتماعية كأن يشعر الغني الميسر عند انفاقه مع الفقير والمعدم، ومنها الاقتصادية كالادخار وتحويل الاموال من مجال الانفاق الاستهلاكي الى مجال الانتاج.

ومن اهداف ترشيد الاستهلاك اهداف سياسية ايضا، يقول الدكتور القرضاوي " ان الامة التي يفرط اهلها في التنعم ويركنون الى الدعة والسعة قلّما ينهض بهم دين او تقوم بهم دنيا او يتحرر بهم وطن او ترتفع بهم راية... ".

ومنها الاهداف الصحية فالاسراف في الطعام والشراب يفضي الى التخمة والسمنة وقديما قالوا " المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء "، وتوجيهات نبينا صلى الله عليه وسلم بهذا الشأن واضحة ولكن هنالك من غفل عنها فراح يبحث عن برامج "الرجيم" فخسر بذلك اجر اتباع سنة نبيه التي لو طبقها لوجد فيها ضالته. يقول الدكتور محمد موسى الشريف في كتابه عجز الثقات عن اولئك " لقد ملك عليهم هذا "الرجيم" حياتهم، وليتهم استنوا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام لكان ذلك منهم عبادة لكنهم انصرفوا عنها، وصاروا يعاقبون انفسهم بمجاهدات لم ينزل الله بها من سلطان، ويصبر احدهم صبرا عجيبا على هذا "الرجيم" ما لا يصبر عشر معشاره عن فضائل ترقى به الى عالي جنات النعيم ".

اخيرا اذكر نفسي واخواني واخواتي بقوله تعالى " ان الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بانفسهم "، فالى تغيير يبدأ بكل واحد منا وينتهي برفع الغمّة وبسطوع شمس الاسلام ثانية ليعمّ نورها اصقاع الارض التي سأمت الظلمة والظلم.


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في كيم فيسبوك


يوسف عواودة
يوسف عواودة